حسناء ديالمة
119
الفكر التربوي الإسلامي عند الإمام جعفر بن محمد الصادق
وهكذا يعالج الإمام تربية الأفراد بتكوين الأسرة الصالحة لكونها تقوم على أسس متينة وقواعد عملية صحيحة في اختيار شريك الحياة والتي من أهمها الاختيار على أساس الدين وأساس الأصل والشرف ذلك أن السجايا الخلقية والصفات الحميدة والرذيلة في الوالدين تهيّئ استعدادا في الأبناء ، فالآباء والأمهات الذين يمتازون بصفات الشجاعة والكرم والتضحية والخدمة ينجبون أبناء ذوي فضيلة وإباء وكرم على عكس غيرهم . وهذا معنى كلام الصادق بدلالته على أهمية الوراثة : « ولا يطيب ثمر إلّا بفرع ولا فرع إلا بأصل ، ولا أصل إلا بمعدن طيب » « 1 » . ولا يحصر الإمام صفات الولد بما يرثه عن آبائه القريبين فقط ، بل قد يرث صفات أجداده البعيدين وحتى الإنسان القديم إذ قال : « إن اللّه تبارك وتعالى إذا أراد أن يخلق خلقا جمع كل صورة بينه وبين آدم ، ثم خلقه على صورة إحداهن فلا يقولن أحد لولده هذا لا يشبهني ولا يشبه شيئا من آبائي » « 2 » . على صعيد آخر يؤمن الإمام جعفر إيمانا راسخا بأنّ البيئة أقوى تأثيرا من الوراثة في بناء الإنسان وأن الصفات الموروثة وفضائل الأسرة لا تقاوم ضغط هذه البيئة . لذلك ينصح بزيارة الأخيار وتجنّب الفجار قائلا : « إذ زرت فزر الأخيار ولا تزر الفجار ، فإنّهم صخرة لا ينفجر ماؤها وشجرة لا يخضرّ ورقها وأرض لا يظهر عشبها » « 3 » . فيكتسب الإنسان كثيرا من عاداته وأخلاقه وقيمه واتجاهاته الفكرية من البيئة الاجتماعية والثقافية التي ينشأ فيها ، وإذ استقرت عادات الإنسان وأخلاقه نتيجة الممارسة المتكررّة فإنّه يصبح من الصعب بعد ذلك تغييرها إلّا بمجهود شاق وإرادة قوية ، وقد لا تتغيّر إذا ما استحكمت في المرء فصارت سجية فيه . وقد أشار الإمام إلى هذه الحقيقة قائلا : « لا تصاحب الفاجر فيعلّمك من فجوره . . . ومن يصاحب صاحب السوء لا يسلم » « 4 » . وغير ذلك من توجيهات توضح اهتمام الإمام بالبيئة الاجتماعية والمخالطة مع الآخرين ، إلى جانب الوراثة ، فهما أصل السلوك عنده ولا يخفى أمرهما في عملية التربية .
--> ( 1 ) الذهبي ، سير أعلام النبلاء ، مرجع سابق ، ج 6 ، ص 263 . ( 2 ) الصدوق ، من لا يحضره الفقيه ، مرجع سابق ، ج 3 ، ص 484 ، ح 4709 . ( 3 ) الذهبي ، سير أعلام النبلاء ، ج 6 ، ص 263 . ( 4 ) أبو سعد السمعاني ، الأنساب ، دار الجنان ، بيروت ، 1408 ، ج 3 ، ص 508 .